ابن كثير

182

البداية والنهاية

عليها أهلها فكان ممن أخذ عنه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى . وفيها قدم رسول من ملك التتار تولى بن جنكيزخان إلى ملوك الاسلام يدعوهم إلى طاعته ويأمرهم بتخريب أسوار بلدانهم . وعنوان الكتاب : من نائب رب السماء ماسح وجه الأرض ملك الشرق والغرب قان قان . وكان الكتاب مع رجل مسلم من أهل أصبهان لطيف الأخلاق ، فأول ما ورد على شهاب الدين غازي بن العادل بميافارقين ، وقد أخبر بعجائب في أرضهم غريبة ، منها أن في البلاد المتاخمة للسد أناسا أعينهم في مناكبهم ، وأفواههم في صدورهم ، يأكلون السمك وإذا رأوا أحدا من الناس هربوا . وذكر أن عندهم بزرا ينبت الغنم يعيش الخروف منها شهرين وثلاثة ، ولا يتناسل . ومن ذلك أن بمازندران عينا يطلع فيها كل ثلاثين سنة خشبة عظيمة مثل المنارة ، فتقيم طول النهار فإذا غابت الشمس غابت في العين فلا ترى إلى مثل ذلك الوقت ، وأن بعض الملوك احتال ليمسكوها بسلاسل ربطت فيها فغارت وقطعت تلك السلاسل ، ثم كانت إذا طلعت ترى فيها تلك السلاسل وهي إلى الآن كذلك . قال أبو شامة : وفيها قلت المياه من السماء والأرض ، وفسد كثير من الزرع والثمار والله أعلم . وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير : محيي الدين بن عربي صاحب " الفصوص " وغيره ، محمد بن علي بن محمد بن عربي أبو عبد الله الطائي الأندلسي ( 1 ) ، طاف البلاد وأقام بمكة مدة ، وصنف فيها كتابه المسمى ب‍ " الفتوحات المكية " في نحو عشرين مجلدا ، فيها ما يعقل وما لا يعقل ، وما ينكر وما لا ينكر ، وما يعرف وما لا يعرف ، وله كتابه المسمى بفصوص الحكم فيه أشياء كثيرة ظاهرها كفر صريح ، وله كتاب العبادلة وديوان شعر رائق ، وله مصنفات أخر كثيرة جدا ، وأقام بدمشق مدة طويلة قبل وفاته ، وكان بنو الزكي لهم عليه اشتمال وبه احتفال ولجميع ما يقوله احتمال . قال أبو شامة : وله تصانيف كثيرة وعليه التصنيف سهل ، وله شعر حسن وكلام طويل على طريق التصوف ، وكانت له جنازة حسنة ، ودفن بمقبرة القاضي محيي الدين بن الزكي بقاسيون ، وكانت جنازته في الثاني ( 2 ) والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة . وقال ابن السبط : كان يقول إنه يحفظ الاسم الأعظم ويقول إنه يعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب ، وكان فاضلا في علم التصوف ، وله تصانيف كثيرة .

--> ( 1 ) ولد في شهر رمضان سنة 560 بمرسية من الأندلس له مصنفات كثيرة أوردها صاحب الوافي ( 4 / 176 ) . وله ترجمة طويلة في الشذرات 5 / 190 وما بعدها . ( 2 ) في الوافي : الثامن والعشرين .